لقد مللت من الحياة

قالت لي صديقة عزيزة ذات مرة، أنها ملَّت من الحياة وأنه لم يعد هناك ما يثير اهتمامها في هذه الحياة. لا شيء مثير للاهتمام، هكذا تقول صديقتي

تساءلت عن ذلك، هل مللت أنا كذلك من الحياة؟ تذكرت كل شيء، بالطبع لقد شعرت بالملل من وظيفتي ومسؤولياتي ومهامي والكثير من الأمور المزعجة، إلا أنني لم أشعر بالملل من الوجود. أن تشعر بالملل من الوجود يعني أنك ترفض كل شيء في هذه الحياة وعلى هذا الكوكب. لا شك أن هناك ما يعجبنا في هذه الحياة، بالتأكيد هناك أمور تكفي لتبقينا منشغلين من لحظة ولادتنا وحتى لحظة موتنا.

أفكر، كيف يمر عليَّ اليوم في حياتي؟ فأقول: بالطبع لا أشعر بالملل فهناك الكثير من الأمور المثيرة التي أقوم بها. الكثير من الأمور التي تحدث حولي، أتحدث إلى بعض الأشخاص المثيرين للاهتمام، أقرأ عن معاناة العالم، أشاهد مقطع فيديو لأطفال يلعبون بالماء لأول مرة. أتناول 3-4 أكواب من القهوة، وأحيانًا أدخن سيجارة وأندم عليها. أتناول وجبات غداء غير صحية ثم أذهب للحمام عدة مرات في اليوم. وفي المساء، أذهب إلى النادي الرياضي متظاهرًا بعدم التعب، ثم أشاهد مسلسلًا على نتفلكس حتى وقتٍ متأخرٍ من الليل ثم أنام

أشعر بالسعادة عندما أرى صديقتي تلك، وأشعر بالخيبة عندما أنظر إلى جسدي. يصيبني الاحباط عندما أقرأ ردود الناس وآراءهم على تويتر. أضحك مع أصدقائي على أمور تافهة وأبكي مرة كل سنتين أو ثلاثة. كل هذه التفاصيل متعبة لكنها ليست مملة.

مثلي مثل بقية الشباب، أعاني من مشكلة عويصة في الالتزام. فأنا أمتلك قدرة عجيبة على شراء الكتب وعدم اكمالها، ففي حقيبتي كتابين مثيرين للاهتمام. واحد عن الحب، كتبه ابن حزم الاندلسي، وآخر عن السفر كتبه رحالة كويتي. لا يتعدا التزامي بالكتاب الواحد بأكثر من قراءة عدة فصول تثير اهتمامي فعلًا ثم لا أكمل البقية. لا أستطيع أن أركز في الكتاب أكثر من ذلك لأن عقلي يتشتت. يحثني على مطالعة آخر الأخبار على تويتر وانستغرام. لأتابع أخبار أناس لا أعرفهم بينما من أعرفهم لا أعرف أخبارهم. أنه أمر مثير للسخرية.

لا أعتقد أنني أشعر بالملل من الحياة، بل أشعر بالملل من الأنشطة التي أقوم بها، فالملل هو قلة اهتمام أو قلة الأشياء التي نهتم بها. الملل هو التحديق الفارغ في الفراغ. إنني أشعر بالملل من الموسيقى التي أسمعها كل يوم، وأشعر بالملل من المقالات التي حفظتها في المفضلة لقراءتها في وقت لاحق ولم أقرأها بعد، إنها تتجمع وتتراكم يومًا بعد يوم. إنني أشعر بالملل لأني لا أستطيع التعبير عن مشاعر اعجابي تجاه من تعجبني لأنني لم أتعلم مهارة ذلك.

ثم أتساءل، كيف أشعر بالملل رغم وجود كل هذه الأنشطة والضوضاء في هذه الحياة؟ كيف أشعر بالملل رغم وجود ملايين الناس المثيرين للاهتمام، رغم وجود ملايين الأمور المثيرة للاهتمام. أشعر بالحماسة وأنا أكتب الآن، بالتأكيد لا أشعر بالملل في هذه اللحظة فأنا أجلس في ركني المفضل في محل القهوة في حينا، أستمع إلى ياني وأحتسي كوبًا باردًا من القهوة. لم إذًا أشعر بالملل في بعض الأوقات؟

يقولون أن الملل قد يأتي بصورة قلق، قلق أقل من كونه شعورًا بالملل من الحياة. هناك انتظار مستمر لحدوث شيء في هذه الحياة الرتيبة. ربما ما تحتاجه لمحو هذا الملل هو علاقة عاطفية ، بدء مشروع جديد أو حتى تكوين صداقات جديدة مع أناس مثيرين للاهتمام. أو أن دواءك فعلًا هو السفر لمشاهدة الحياة حتى لا تموت من الملل

على العموم، إن الملل يبدو أمرًا جيدًا فهو يعني أنك على قيد الحياة يا صديقتي، وأن لديك عقلًا حرًا. يقول غاياتري ديفي، “الملل بأنه “أخر ميزة للعقل الحر.” وعلى حد تعبيره، فإن الملل هو “تجربة مكثفة من الوقت لم يمسها الجمال والسرور والراحة وجميع الأحاسيس الحيوية الوقتية.” أساسًا، الملل الحقيقي هو مساحة فارغة، الوقت الوحيد الذي نقضيه مع أفكارنا الخاصة. هي المرة الوحيدة التي يُسمح فيها لأفكارنا بالخروج عن المألوف، لتصبح أفكارًا أكبر وأفضل، دون أن يتم محيها من خلال الجنس أو المخدرات أو مباريات كرة القدم. الشعور بالملل من الحياة هو، بالطبع، شيء طفولي ومحبط لكي تقوله أو تشعر به، ولكن شعورك بالملل من الحياة من وقت لآخر، ربما لا يكون أمراً سيئاً، رغم كل شيء.”

شكرًا لأنك أخبرتني بأنك تشعرين بالملل، فأنا كذلك مازلت أشعر به

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google photo

You are commenting using your Google account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s