على ضِفاف النِّيلِ يا صديقي

مراحل. الدَّنيا مراحل يا صديقي العزيز ولكل أمرٍ في حياتك القصيرة هذه مرحلته والتي ينبغي عليك المرور بها، التعلم منها، تَقبلها ثم السماح لها بالرَّحيل، والأهم من ذلك تَقَبُّل ذَلكَ الرَّحيل. أعلمُ عِلم اليَقين أنَّ تَقبُّل الرحيلِ لهو أمرٌ جلل وصعبٌّ للغاية. فلسوف تعتقد أنَّ الحياةَ انتهت لمجرد أنَّ الحياةَ قالت كلمتها وأمرتك بالانتقال للمرحلةِ التالية. المراحل قد تكون على هيئة أصدقاء يأتون فتأنسُ بهمٍ أُنسَكَ بالحياةِ ثُمَّ يأتي الوقت الذي يتحتم فيهِ الرَّحيل، قد ترحل أنت وقد يرحلون هم، لا يهم من الذي يرحلُ أولًا لكنَّ المُهم هو تقبل الرَّحيلِ هذا، التعلم من هذه المرحلة ثم التَّطلعُ لمراحلِ الحياةِ الأخرى.
الكُلُّ راحلٌ يا صديقي، هذه حقيقة الحياة فتقبلها، قد تكونُ مرحلتك هذه وظيفة أحببتها من كُلِّ قلبك، أعطيتها كُلَّ ما لديك ثم آن آوانُ الرَّحيلِ، لرُبَّما تعلمتَ كُلَّ شيءٍ في هذه الوظيفة، لربما قد نضجت أنتَ ولم يعد في وِسع هذه الوظيفة إعطاءكَ المزيد ولربما لم يعد في إمكانك أنتَ إعطاءُ المزيد لهذه الوظيفة في هذه المرحلة. على أيِّ حالٍ لا تنسى أنَّ هذا قدرُ الحياة فهي مراحلٌ والخلودُ فيها لهو من الأمور الصَّعبة للغاية ولا يحققها إلا من كانَ ذو شأنٍ عظيم.

مراحلُ الحياةِ الدُّنيا أشبه بمراحلِ المدرسة، هل تحزن حينما تنتقل من مرحلةٍ لأخرى؟ أم تستقبلُ المرحلةَ الجديدةَ بحماسةٍ لا توصف وشغفٍ لا يُصدَّق؟ لن تقولَ أنك بنيتَ ذكرياتٍ في مرحلتكَ الابتدائية وأنك تشعر بالألم والحزن والهمِّ لمجردِ انتقالكَ للمرحلةِ المتوسطة؟ ألست متحمسًا للبدء في مرحلتكَ الجديدة؟ ولِقاءِ أصدقاءٍ جُددٍ وبيئةٍ جديدة وتعلّمِ موادٍ جديدة؟ ألا تصيبكَ الحماسةُ لأولِ يومٍ في المدرسة في مرحلتك الجديدةِ تِلك؟ سأجيبُ عنك بِنعم.

دعني أقرب لك الصورةَ يا عزيزي، إنَّ مراحلَ الحياةِ تشبهُ إلى حدٍ ما لعبةَ بلايستيشن، سوف تشتري الشريط وستبدأ بالمرحلةِ الأولى ثم الثانيةِ ثم الثالثةِ وهكذا دواليكَ حتى تنهي الشَّريط؟ هل يصيبك الحزن والهم والغم لمجرد انتهاء الشريط؟ لا لأنك تعلم أنك سوف تشتري لعبة جديدة وسوف تستمع بخوضِ غِمارها وتختيمها، سوف تستمتع بكل لحظةٍ وبكلِ شغف وحماسة وأنت تلعب هذه اللعبة.

أحببتَ فتاةً ما؟ عِشتَ معها لحظاتٍ وصنعت معها ذكرياتٍ ثم ماذا؟ انتهت المرحلة؟ ولأي سببٍ كان سوف تنتهي هل تصيبك أحزانُ الدُّنيا في مقتلٍ يا صديقي؟ ألم تتعلم شيئًا من مراحلِ المدرسةِ وألعاب السوني؟ هل هي آخرُ حَبِّةٍ على وجه الأرض؟ لا. إذًا لماذا تدفن نفسك تحت أنقاضٍ الهموم والأحزان، ولأجلِ ماذا؟ الحياة مراحلٌ يا صديقي ولسوف تلتقي بفتاةٍ أخرى ثم أخرى ثم أخرى حتى تلتقي المناسبة لك والتي سوف تبني معها مرحلةً جديدة وحياةً جديدة، وغالبًا أنكما سوف تنتقلان سويتًا لمراحل مختلفة أيضًا.

هكذا كان يقول لي نواف، مراحلٌ مع إسقاطِ الكلمةِ على أوضاعِ الشركة، لكل زمانٍ مرحلة ولكل زمانٍ رجال. لكل مرحلة أصدقاءَ ولكل مرحلةٍ أحبة، البعض منهم سوف يخوضون معك غِمارَ مراحلَ كثيرةٍ في هذه الحياة، بعضهم قد يبقى معك لمرحلةٍ واثنتين وثلاثةٍ وأربعة، وبعضهم لمرحلة. ومهما كان عددُ المراحلِ التي قضيتموها سويةً أو سوف تقضونها في المُستقبل، كُن شاكرًا لهم لمرافقتك فيها، كُن شاكرًا لكل الذكريات التي صنعتموها وكن شاكرًا لكل الأوقاتِ التي كانوا فيها موجودين لأجلك.

لا يُصيبنَّك الحُزنُ والهمُّ والاكتئابُ لانتهاءِ مرحلةٍ ما، ولا أقولُ بعدم إعطاءِ نفسكَ الوقتَ الكافي لتقبلُ الأمرِ والتشافي منه بالعكس هذا من حقِّ النَّفسِ علينا إعطاؤها وقتها للتشافي والتقبل لكن لا تستغرقنكَّ مرحلةُ التشافي هذهِ دهورًا فتفوتُ عليكَ مراحلُ الحياةِ الأخرى الشيِّقة والمليئة بالحياة والصخب، الحُب والمقت، اللذة والشهوة والكثيرِ من الذِّكرياتِ الجديدة لتصنعها ولتضعها في كتابكَ يا صديقي.

نحنُ البشرُ جُبلنا على غريزةِ البقاءِ، فأسلافنا نجو من الأحداثِ تِلوَ الأحداثِ والأهوالِ تلو الأهوال، وها نحن هنا الآن في القرن الحادي والعشرين وقد وصلنا إلى الفضاء ويعيشُ الواحدُ منَّا مُنعمًا بما لذَّ وطاب من رغدِ العيش لم يكن متوفرًا لأسلافنا من قبل. ولسوف يصيبك الهمُّ بُرهةً من الزَّمان ولسوف تتخطاها ولسوف تقولُ لنفسكَ ما هذا الجهل الذي كنت فيه.

الحياةُ مراحلٌ يا صديقي، ونحن نختتمها مرحلةً تِلو الأخرى. فاستمتع بمراحلكَ كُلِّها قدرَ المُستطاع.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s