قصة قصيرة : المحطة الأخيرة

المكان:-مطار الملك عبدالعزيز الدولي بجدة

الزمان:- ٧/٧/٢٠١٩ @٦:٣٠ مساء

وصل خالدٌ كعادته في السادسة والنصف من مساء يوم الأحد استعدادًا لبدء المناوبة الليلية في قسم المراقبة والتحكم داخل المطار. لاشيء غريب. مثل كل ليلة يمر خالد بقسم التفتيش، يسلم على المدير المناوب الضابط حمود النعمي ثم يعرج كعادته على ستاربكس الموجود في صالة المغادرة المحلية، يسلم على اقبال، يتبادل معه اطراف الحديث، يسأله عن ابنه الذي ولد والذي لم يراه بعد. يأمل اقبال ان يحصل على اجازة بعد انتهاء موسم الحج حتى يتمكن من السفر ولمس جبين ابنه لأول مرة! يحصل خالد على “دبل اسبريسو” تبقيه متيقظًا حتى انتهاء مناوبته.

السلام عليكم، يقول خالد للزملاء في القسم والمستعدين للمغادرة بعد انتهاء المناوبة.

ها ياشباب الامور طيبة. يقول خالد. يرد عليه مشعل والذي يبدو عليه الامتعاض: اي طيبة والاتحاد اليوم خسر نهائي كأس الملك.

يواسيه خالد وبقية المكتب متأملين أن يكون حظ نادي الشعب أفضل الموسم المقبل.

يبدأ خالد مناوبته في تمام السابعة. تمر اول ساعتين، ولا أمر مريب. مسافرون، قادمون ومغادرون. هذا مع زوجته وأولاده تبدو عليهم الفرحة والحماس. يبدو أنهم قادمون لجدة لقضاء اجازة الصيف عند الاقارب. او للاستمتاع بموسم جدة!

ذاك، محرمٌ وملبيٌ قادمٌ لأداء العمرة. وهناك عجوز كهل يسير بصعوبة باستخدام عكاز يكاد يحمله، يقف برهة، وسط الزحام، ينظر الى الحقيبة التي يحملها. ولسان حاله يقول: بئسًا للزمان وبئسًا للمكان.

وكأنهم في عالمٍ مواز، شاب وفتاة. يسيران شابكي الأيدي والروح، تملؤهم البسمة. كأنه لا وجود للحزن، ولا للبؤس. تبدو عليهم العجلة حيث يخرج الشاب التذاكر من حقيبة ظهره وينظر إليها وهو يتحدث مع فتاته ثم يسرعان الخطى نحو بوابة المغادرة. تمنيت لهم من كل قلبي رحلة هانئة وسعادة لا تفنى.

لكن، وكأن هذه الليلة تأبى ألا تنتهي كما بدأت. في منظر غريب، عائلة مكونة من أب كهل وأم عجوز. يرافقهما شاب ثلاثيني يبدو وكأنه ابنهما. المثير للدهشة أنه ليس من يقوم بالاعتناء بهما بل العكس! متوجهون نحو المغادرة المحلية وعند شباك التذاكر يتم التحقق من صحة التذاكر، ملل وتذمر واضح على وجه الثلاثيني وبرود عجيب ذاك الذي يمتلكه الكهل. يدخلون صالة المغادرة. الساعة تشير الى الثانية بعد منتصف الليل. يتحدث الكهل مع زوجته حديث قصير، تلاه ذهابه الى اقبال عند ستاربكس. يشتري الاب ٣ اكواب لا اعلم ماهيتها. يبتسم، يستلمها من اقبال ويعود الى حيث ترك عائلته الصغيرة.

يعطي الاب كوبا لزوجته، واخرا للثلاثيني. يتذوق الثلاثيني الكوب، يشير بشكل مزعج الى محتوى الكوب ويبصقه على الأرض. يحتد النقاش بينه وبين الكهل، بشكل مفاجئ يرمي الثلاثيني الكوب أرضًا ويعتدل واقفًا، يبدو ان صياحه سيخترق كاميرا المراقبة. نظرة المفاجأة على الكهل. يبدو مندهشا! تحاول الام تهدئة الامر، ولكن مهلا، يبدو ان الامر سيتطور الى اشتباك.

بشكل روتيني، اقوم بتبليغ الوحدة الأمنية على الأرض باحتمال حدوث مشادة. وما ان استلم جهاز اللاسلكي، حتى افتح فمي مندهشا الى ابعد حد. قام هذا الثلاثيني بصفع الكهل! امام الجميع، وامام والدته. بسرعة انقل موجز الامر للوحدات المختصة.

يصلون في لمح البصر. يفضون الاشتباك الغريب الذي حصل. تهدأ الامور وينقل لي الزملاء في الموقع ان الثلاثيني لم يعجبه السكر في المشروب.

فجأة وعلى الشاشة أشاهد الأب يسقطً أرضا، واضعًا يده بشدة على صدره، صارخا بأعلى مايمكن، تثور الجلبة. يصل الاسعاف للموقع وقد فارق الكهل الحياة. ويبدو ان السبب سكتة قلبية.

تثور الجلبة، الاسعاف والشرطة وبقية الاجهزة الامنية يتخذون الاجراءات اللازمة.

لم يكن في خلد هذا الكهل، ان يقضي لحظته الاخيرة في المطار. ليس في موطنه كما فهمت. ولا منزله حتى. ولم يدر في خلد زوجته، ان ترى زوجها يقضي بهذه الطريقة! اتساءل ما الذي سيقولونه لاهلهم في الوطن، عن سبب الوفاة، عن اللحظة والمكان. على الارجح انهم سيبتكرون قصة ما حفاظا على الشرف وسمعة العائلة. وحتى لا تتأثر بنات العائلة وفرص زواجهم المستقبلية جرّاء هذه الحادثة.

لا اعلم كيف سيتعايش الثلاثيني مع هذه اللحظة، اللحظة التي فارق والده بها الحياة لأجل كوب قهوة. الأمر المثير للسخرية وانه حسب ما وصلني لاحقا ان الولد مصاب بأمراض نفسية. ويالها من حجة يأخذها كل من كان غبيًا مغفلا. أهذه تذكرة الخروج لهذا الثلاثيني؟ لا أعلم. ولكن أليس من المثير للسخرية ان تقضي عمرك تربي وتعلم وتلبس وتصرف على الولد. وفي كِبرك، وقت حاجتك للمساعدة تقوم انت بتقديمها ثم تقضي جرّاء ذلك!

انتهت مناوبة خالد. توجه الى خزنة الملابس، تبادل التحايا مع زملاءه اصحاب المناوبة الصباحية. تبادل سريع لاخر اخبارهم ثم فراق يليه ذهابه على معلم الكبدة في حيهم. معلم الكبدة الذي خدم الحي لاكثر من ٣٠ عاما. يتناول خالد افطاره.

يتوجه الى منزله، يغسل وجهه بماء بارد. لايشعر بالنعاس. لديه رغبة قوية في الكتابة. يكتب مذكراته، مايراه ويعايشه كل يوم. يؤرقه ما يرا، لايحب ان يتحدث او يشكي لأحد. في مدونة على الانترنت، تحت اسم وهمي، يكتب ويسخط. يتابعه مئات الالاف. ينتظرون كتاباته كل يوم اثنين من كل اسبوع. الالاف يكتبون، يعلقون ويحللون. متهمين الثلاثيني بالقتل. واخرين مشفقين. لايهم، قد أفضى الى ما قدم ولن ينفعه سوى الدعاء.

يقوم بتشغيل مقطوعة عذبة، Fur Elise. الأصلية، بعزف موزارت. يستغرق في سماعها، ينام، ويرى أحلامًا كثيرة.

النهاية.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google photo

You are commenting using your Google account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s